معجزة بناء لبنان الواحد بدون لبنانـيّين موحَّدين



 
صورتان للبنان. أولى من الجو بعدسة تاريخية، والأخرى من الأرض بعدسة سياسية. والصورتان رغم تناقضهما، حقيقيتان: الأولى تزرع الإحباط والغضب واليأس، والأخرى تحيي الأمل والرجاء والإيمان. تعايُشُهما معاً، طوال عقود على حساب أمن اللبنانيين وحريتهم، بلغ اليوم أجَـلَه، وعلى اللبنانيّين أن يختاروا إحداهما، أو أن يعطوا صورة جديدة عن أنفسهم للأجيال المقبلة والعالم.
 
سجعان قزي
 
Entrance of the parliament downtown Beirut. © Caroline Poiron / arabimages.com
مدخل مجلس النواب وسط بيروت. تصوير كارولين بوارون

الصورة الأولى

في ظل تعدد ولاءات اللبنانيين، طبيعي أن تجري مفاوضات بين دول يدين لها اللبنانيون بالولاء لتأليف الحكومة اللبنانية. ولا نستغربنّ يوماً يُضاف فيه إلى الدستور اللبناني بندٌ يجعل المفاوضات الخارجية مُلزِمة كما الاستشارات النيابية.

أمس طالبنا بإلغاء المجلس الأعلى اللبناني ـ السوري، لم يُستَـجَب لنا. اليوم يولد مجلس وصاية سوري ـ سعودي ـ أميركي، فيعترف به مسؤولون وقادة لبنانيون ويطالبون بتوسيعه. أين السيادة والاستقلال؟ أين كرامة المسؤولين اللبنانيين؟ أين كرامة 8 و 14 آذار؟ أين مفاعيل ثورة الأرز؟ أين تحرير الجنوب؟ أين كرامة الشعب اللبناني؟ أين فائدة القرارات والمحكمة الدولية؟ أين دم الشهداء؟ أين العهد الجديد؟
أثناء حقبة الاحتلالات كان شعور اللبنانيين بالعنفوان أقوى لأنهم كانوا يقاومون ويحلمون بالتحرير. أما اليوم، فعيبٌ يَـجُـرُّ مَذلّة، ومَذلّـةٌ تَجلب عاراً، والشعب غير مبال: يكتفي بالقرف والتذمر عوض أن يثور على حكامه وقادته ويُرسي قواعد دولة جديدة قادرة على إدارة شؤونها باستقلالية وحرية وشهامة.

تأليف حكومة لبنان ما كان ليجري في الخارج لولا واقعان: حاجة اتفاق الطائف إلى عرّاب خارجي للتنسيق بين المؤسسات الدستورية الثلاث، وانقسام اللبنانيين وتباهيهم بتبعيتهم للخارج مع أنهم اعترفوا بلبنان وطناً نهائياً، ورفعوا شعار لبنان أولاً. وسبب تبعية اللبنانيين للخارج هو أن لكل طائفة مشروعاً للبنان يستحيل عليها تحقيقه من دون مساعدة خارجية مادية وعسكرية. وحدهم اللبنانيون يستطيعون تحقيق مشروع واحد: لبنان الحر. لكنهم غير مجمِعين على هذا الحلم الممكن. هذان الواقعان (العرّاب الخارجي والانقسام الداخلي) يستدعيان إجراءين: تعديل بنود دستورية باتفاق الطائف، وإعادة النظر ببنية الدولة المركزية.
تحرير الأرض ليس وحده معيار استقلال لبنان وسيادته. جيوش الدول انسحبت من لبنان لكن سياسيّـينا لم ينسحبوا من أي دولة. هذا السلوك يؤكد للعالم أننا شعب يعاني من حالة انقسام مزمنة رغم التغني بالوحدة، ومن قلة نضوج سياسي دائم رغم التباهي بالوطنية. فنحن شعب ألِـفنا تكرارَ الاعتذار من المستقبل وطلبَ العفو من التاريخ. وهذه الحيثيات تُـقـدِّم التبريرات للتدخل الخارجي ولِوَضعنا، بشكل شبه دائم، تحت انتداب أو وصاية أو رعاية أو احتلال.

لبنان الكبير حِـيكَ في فرساي، استقلاله مَـرَّ في لندن، دستوره الحالي طُهِيَ في الطائف، ورؤساء جمهوريته ومجالسه النيابية وحكوماته أُنضِخوا في باريس وواشنطن والقاهرة ودمشق والرياض وطهران، وأخيراً في الدوحة (لاحظوا هذا الخط الانحداري). وجميع المراحل الزمنية أثبتت أن لبنان الموحَّد مركزياً هو مشروع برسم الاحتلال لأن وحدة الدولة لا تعكس شعباً موحَّداً حضارياً وثقافياً وروحياً واجتماعياً وتربوياً. نحن شعب لا نتقاسم الحقائق ولا الأساطير، لا التاريخ ولا المستقبل، لا الدين ولا الأنبياء. لا الحلال ولا الحرام، نسبّـح الله ونقتل باسمه. نريد الأمن ولا نَـكُـفُّ عن التقاتل، نريد السيادة ولا نَـكُـفُّ عن الاستعانة بالغريب، نريد الاستقلال ولا نَـكُـفُّ عن الانحياز، نريد الدولة وننشيء الدويلات، وندّعي الشموخ ونُدمن على العمالة. خُـضنا حرباً بمجتمع مُـترَفٍ ونستهلك السلام بمجتمع فاسد. نعيش مأساة وجودية وكيانية ونجتاز أزمة نظام ودستور يُحـتِّمان اللجوء إلى الضمير قبل العِلم لنصلح ميثاق الحياة معاً.

سابقاً، كانت الدولة في لبنان غطاء وهمياً لوطن ممزق. اليوم أصبح الوطن غطاء وهمياً لدولة ممزقة. وفيما يدفع الوطن ثمن تعدّد الولاءات، تدفع الدولة ثمن تعدد الهيمنات. كذا نَـتَـنَـقَّـل بين وَهْم وآخر وبين خيبة وأخرى. نبحث عن ذاتنا في مرآة سوانا، وعن مصالحنا في مخططات غيرنا. نحن شعب تاعس يغطي حزنه بفرح مفرط، وبنمط حياة يلهيه عن مشاكله الأساسية والعميقة. نحن سكارى نداوي أحزاننا بالخمر حتى الثمالة، ومن لا يحتسي الخمر يداوي أمراضه بالتديّن حتى الأصولية. نحتاج إلى وكالة غوث المحـبَطين.

هذا الواقع المرير يدوم منذ تسعين عاماً (1920 ـ 2009)، وقد يتجدد مئة عام أخرى، ومعه تتجدد الحروب والأزمات والاحتلالات والاغتيالات والدمار والمآسي والهجرة. وعلى هذا المنوال، سيأتي يوم يصبح فيه لبنان أرضاً بلا شعب، أو أرضاً بلا شعبها الأصيل.

هنا يطرحون التنظيم اللامركزي، وهناك يطـبّـقون الفدرالية، وهنالك يهمسون بالتقسيم، نعم بالتقسيم. لا نُخَـبِّـئَـنَّ رؤوسنا في الرمال: مؤسف أن يعود مشروع تقسيم لبنان قيد التداول داخلياً وعربياً ودولياً. لكن الوقت لم يَـفُت كي نقاومه رغم الجو المكفهر والواقع الأسود. التفكير الواقعي المستَـخلَص من التجارب يُحْيي فينا رجاء الوحدة الاتحادية، لأن الوحدة المركزية شُرِب نَخـبُـها وقُضِيَ نحـبُـها، وهي لا تناسب مجتمعاً يكتنف هذه التعددية المتنافرة.


الصورة الثانية

مراجعة مسيرة تاريخ لبنان الحديث ترسم صورة أخرى تبعث الإيمان بمستقبل هذا الوطن: حين تأسست دولة لبنان كان الكيان مساحة فجعلناه وطناً. عاش هذا الوطن عقوداً يتنفس بنصف رئة لأن النصف الآخر كان يُـنعِش كيانات أخرى. رغم هذه الإعاقة المرحلية، نجح اللبنانيون في تنظيم إدارة تحت الانتداب، ثم جارتهم الظروف فانتزعوا الاستقلال وبنوا دولة كانت ـ مع كل شوائبها ـ الأفضل والأرقى في الشرق الأوسط والعالم العربي وآسيا الصغرى. ولتحصين هذه الدولة وضع اللبنانيون الميثاق الوطني فأتى إبداعاً فلسفياً وسياسياً يُرسي توازناً بين المسيحيين والمسلمين. أعطى الميثاق المسيحيين، بحكم تاريخهم، أرجحية سياسية أفادت لبنان وأضرّت بهم.
انسابت الحياة العامة والخاصة في لبنان هادئة، فإذ بهذا البلد، الفقير بموارده الطبيعية والصغير بمساحته والقليل بسكانه، يغدو رمز النجاح الاقتصادي والمالي وعنوان الازدهار والاستقرار، فلُـقِّب بـ "سويسرا الشرق" و"منارة المتوسط": هنا الجامعات والثقافة، المستشفيات والصحة، المصارف والسرية المصرفية، التعايش وملتقى الأديان.

أليست معجزة أن ينجح اللبنانيون في ابتداع كل ذلك (لبنان الكبير، بناء الإدارة، نيل الاستقلال، الميثاق الوطني، بناء الدولة، الاقتصاد المزدهر) رغم اختلافهم حول الولاء والكيان والهوية والسلطة والسياسة. أليست معجزة أن يُبنى لبنان الواحد بدون لبنانيين موحَّدين؟

انكـبّت الدولة على معالجة الخلافات الطائفية والقومية بتوسيع المشاركة السياسية وتحقيق العدالة الاجتماعية والإنماء المتوازن، ففوجئت عند نهايةِ الستينات وبداية السبعينات باللاجئين الفلسطينيين يتحولون جيشاً فدويلة بقيادة منظمة فتح، فأيدتهم فئات إسلامية ويسارية برعاية سورية مشبوهة. بدأت "نكبة لبنان": انقسم اللبنانيون، اندلعت الحرب اللبنانية الكبرى بين سنوات 1975 و 1990، تَعطَّلت الدولة، واحـتُـلَّت البلاد إلا مُربّعاً مسيحياً (من كفرشيما حتى جسر المدفون) قاوم وانتصر مع بشير الجميل سنة 1982، ثم انهزم بعد استشهاده بسبب "حروب الموارنة". وخرج اللبنانيون من مآسي تلك السنوات معلِنين الولاءَ للبنان النهائي ورفضَ التوطين الفلسطيني. أليست معجزة أيضاً أن يتوحّد الولاء ويُرفض التوطين فيما كان هذان العنصران بين أسباب رئيسة أشعلت الحرب؟
صحيح أن نهاية الحرب ثـبّـتت الاحتلال السوري عملاً باتفاق الطائف، وأُخضِع اللبنانيون لحكم شبه عسكري أضعف المسيحيين، وامتصَّ كل مقومات لبنان الحضارية والثقافية والمالية والاقتصادية، لكن سنة 2005 ثار الشعب اللبناني فانسحب الجيش السوري (كما دخل) بقرار دولي.

أليست معجزة كذلك أن يلتقي تلقائياً ما يفوق مليونَ لبنانيٍّ متعددي الانتماءات الطائفية والمناطقية والحزبية في 14 آذار 2005 في ساحة الشهداء، وأن ينسحب الجيش السوري من لبنان بعد احتلال دام ثلاثين سنة؟
بقيت ثلاث ظواهر للمعالجة من أجل استقرار الدولة المستقلة: الأولى فلسطينية ذات بُـعد عربي إسرائيلي هي التوطين الفلسطيني، والثانية لبنانية ذات بُـعد شيعي إيراني هي سلاح حزب الله ومشروعه، والثالثة لبنانية ذات بُـعد عربي إسلامي هي الأصولية السنية السلفية. من دون أن نساوي وطنياً بين هذه الظواهر، إذا تمكن اللبنانيون من الاتفاق معاً على إعادة انتشار الفلسطينيين في الدول العربية وبعض الدول الأجنبية يَسقط التوطين وننقذ وحدة لبنان وصيغته. وإذا اقتنع حزب الله بأفضلية توظيف التحرير في دولة لبنان يُحلّ موضوع السلاح وننقذ وحدة لبنان وأمنه. أما الظاهرة السلفية المعسكَرة، فمؤسسات الدولة الأمنية والعسكرية تبدو، حتى الآن، قادرة على معالجتها.

بعدما انسحب الإسرائيلي، يُـمكن حزب الله أن يكون عاملاً مساعداً في تثبيت وحدة لبنان كما فعل المسيحيون بعد الانسحاب العثماني، والسُـنَّـةُ والدروز بعد الانسحاب السوري. نظام المتصرفـيّـة حضّر الموارنة ليطالبوا بلبنان الكبير، الانتداب الفرنسي أثار اللبنانيين فتوحَّـدوا حول الاستقلال، لبنان المستقل أشرك المسلمين فعلياً في حكم الدولة، توسيع المشاركة جعل المسلمين يسلّمون بلبنان وطناً نهائياً. اليوم، وحزب الله يشعر بفخر المقاومة في الجنوب، حريّ به أن يعيد الشيعة إلى أحضان الدولة فيلتقوا مع سائر اللبنانيين في سلام داخلي مبني على الكرامة والقوة والحق والنظام.
أين نحن من الصورة الأولى؟ جميلة الصورة الثانية، لاسيما في شقها السوريالي. لبنان، واقعياً، مزيج من الصورتين: الأولى نعيشها في الآلام، والثانية نراها في الكتب. والغريب، أن الصورة القبيحة هي انعكاس للصورة البهية. أليس في الأمر معجزة؟ وألا نحتاج معجزة ؟.