ريس إرليخ: "حوار مع إرهابيين"



 
يطرح تحديد الإرهاب وتصنيف العمل الإرهابي معضلة حقيقية، فما يراه البعض "عمل إرهابي" قد يعتبره البعض الآخر "عمل مقاوم"، فأين هو هامش الفصل الذي يحدّد هكذا تصنيف؟ ريس إرليخ يتناول هذا الموضوع في كتابه الجديد "حوار مع إرهابيين: قادة الشرق الأوسط حول السياسة، العنف، والسيطرة." إرليخ صحافي مخضرم عمل في تغطية السياسة الخارجية الأميركية منذ عقود. كما عمل مع الاذاعة الوطنية العامة ، إذاعة دويتشه فيله، الإذاعة الاسترالية ، والإذاعة الكندية ، و ينشر كتاباته في صحيفتي سان فرانسيسكو كرونيكل ودالاس مورنينغ نيوز.
 
بقلم: كريستيان افارد - ترجمة: هنادي شامي
 
conversationswithterrorists_cover.jpg


من خلال مقابلاته المباشرة وأبحاثه الخاصّة، يجادل إرليخ أن صفة الإرهابي قابلة للتغيّر مع الزمن، ف"إرهابيَ" الأمس غالباً ما يكون الزعيم الوطني اليوم، كما أن من يقاتل في سبيل الحرية اليوم قد يصبح "إرهابياً" في الغد. فإطلاق صفة الإرهاب على جميع معارضي الولايات المتحدة يجعل من الصعب التطلع إلى أبعد من الفرد أو الجماعة السياسية وفهم ماهيتهم بصورة حقيقية. كان لي حديث مع إرليخ مؤخرا وهذا ما جاء فيه:


 ما هو تعريفك للإرهاب ولما يساء فهم أواستخدام هذا التعبير في وسائل الإعلام الأميركية؟

 بالمعنى الشعبي ، الإرهابي هو كل شخص يستخدم العنف، تنظيم القاعدة ، حماس، وحزب الله يعتبروا منظمات إرهابية بينما المجاهدين الذين يقاتلون الاتحاد السوفياتي في أفغانستان والكونترا في نيكاراغوا هم مقاتلون في سبيل الحرية. الإرهاب هو استخدام العنف ضد المدنيين لتحقيق غايات سياسية ويمكن للحكومات والجماعات المسلحة والأفراد إرتكاب أعمال إرهابية. إنهم (الإرهابيون) يحاولون التأثير على مجرى الأحداث السياسية باستخدام العنف ضد المدنيين.

لنأخذ المقاومة في الحرب العالمية الثانية على سبيل المثال. كانت الحركات المقاومة تستهدف الجنود النازييين بعمليات تفجير كانت أحيانا تودي بحياة مدنيين لكن لم يُطلق عليهم صفة الارهابيين لأنهم كانوا يستهدفون الاحتلال النازي في أوروبا ولم يتعمّدوا قتل المدنيين. أعتقد أننا يجب أن نستخدم هذه المعايير نفسها عند دراسة أي جماعة مسلحة.


ذكرت في كتابك أن السياسات الحكومية يمكن أيضا أن تكون أعمالاً إرهابيّة. كيف تمارس الحكومات الإرهاب ، وكيف نميّز بين أعمال الإرهاب و الدفاع عن النفس أو حماية السياسة الخارجية الأميركية أو مصالح الأمن القومي؟


في الكتاب، ذكرت أن وكالة الاستخبارات المركزية استأجرت وكلاء سعوديين ولبنانيين بهدف محاولة اغتيال آية الله محمد فضل الله في بيروت عام 1985. تمّ زرع القنبلة وتفجيرها وبالرغم من نجاة فضل الله أدّى الانفجارالى مقتل أكثر من 80 شخصا ، بالاضافة الى جرح الكثير.

منفّذو العملية كانوا يعلمون أن مدنيين سيقتلون لكن برأي الاستخبارات من المباح إرهاق دماء العشرات اذا استطاعوا اصطياد إرهابي مزعوم واحد.

المسؤولون الاسرائيليون يفعلون الشيء نفسه حين يطلقون قنابل زنة 500 رطل على مبنى سكني في غزة. يدّعون أنهم قد حذّروا المدنيين مسبقاً وهم يعرفون جيدا أن المدنيين سيموتون لكن الأمر يستحق ذلك اذا كان هناك احتمال التخلّص من هذا القيادي في حماس أو ذاك ، وإن ماذا أودت العمليات العسكرية بحياة حفنة من الفلسطينيين؟ لعل ذلك سيخفف من الدعم الشعبي لحماس؟ هذا هو الإرهاب.


 ما هو الفرق بين نظرة الغرب للإرهاب ونظرة أخصام الولايات المتحدة مثل كوريا الشمالية وإيران وأفغانستان وباكستان وفنزويلا وكوبا ...؟
 
اعتقد انه يجب التمييز بين مختلف الناس. اذا نظرتم الى الدول الشيوعية ، تاريخيا واليوم ، أنهم، إلى حد كبير، لا يمارسون الإرهاب فوفقاً للنظرية الماركسية تعمّد قتل المدنيين تنفّر المؤيدين المحتملين.

الكثير من الجماعات المسلحة اليسارية تتعمد استهداف مؤسسات عسكرية وقادة سياسيين في الصراع من أجل السلطة وهذا لا يعني بالضرورة أنّي أتفق معهم. لكنهم ليسوا ارهابيين.

اذا نظرتم الى باكستان والهند ، ومصر ، من ناحية أخرى،  فإنها في بعض الأحيان تشارك في التكتيكات الإرهابية ومن المؤكد أن المصادر العسكرية والاستخباراتية المرتبطة بها قد انخرطت في تكتيكات إرهابية. فتفجير مومباي عام 2008 كان هجوم إرهابي وكان الهدف منه إرباك الحكومة الهندية من خلال إثارة الذعر في صفوف المدنيين ، وقد تم ربط العملية بجهاز الاستخبارات الباكستانية. من هنا نستدلّ على انخراط بعض حلفاء الولايات المتحدة في أعمال إرهابية خطيرة.


 ما هو الفرق بين المقاومة والإرهاب؟ كيف ولماذا تمّ الخلط بين هذين التعبيرين؟

الحكومة الامريكية تعمد تشويه صورة أي شخص يقاتل ضدّ الولايات المتحدة أو حلفائها فيصبح "إرهابي" تلقائيا. بعض الجماعات تستهدف المدنيين، مثل تنظيم القاعدة، لكن هناك جماعات أخرى تستخدم أساليب إرهابية ولكن ينظر إليها في بلدانها على أنها مقاومة وقوى تحرير شرعية، مثل الحزب الماركسيّ الكولومبي (فارك) ، وحماس وحزب الله ومنظمة التحرير الفلسطينية.

لدي خلافات حادة جدا مع حزب الله وحماس كحركتين يمينيتين وكإسلامية أصولية تهدف إلى الاستيلاء على السلطة، لكن مثل هذه الجماعات وبالرغم من استخدامها العنف والتكتيكات الإرهابية وقتلها مدنيين إسرائيليين، ينظر إليها من قبل شعوبها كجماعات تحرير وطني.

فحزب الله ينظر إليه على أنه الفريق الوحيد القادر على الدفاع عن لبنان عسكرياً ضد الاعتداءات الاسرائيلية المستمرة ويحظى بالكثير من الدعم في أوساط اللبنانيين المسلمين والمسيحيين والدروز.

أمّا حماس فقد فازت بانتخابات نزيهة في 2006 ، هو تفصيل صغير تفضل الولايات المتحدة وإسرائيل أن تنسياه. لذلك لا يجدي نفعا الحطّ من قدرهم واتهامهم بالإرهاب ببساطة. عليك أن تتعامل معهم سياسيا. ماهو الشارع الذين يعبرون عنه؟ لماذا لا نجلس ونتفاوض معهم؟


في كتابك، قابلت العديد من الأفراد الذي يعتبرهم الزعماء الاجانب إرهابيين على سبيل المثال ، تحدثت مع زعيم حماس خالد مشعل. الولايات المتحدة تعتبر مشعل وحماس خصوصاً منظمة ارهابية. كيف تمّ تشويه صورة مشعل وحماس من قبل النخب في الحكومة الأمريكية ووسائل الإعلام؟

في الكتاب أمضيت قدراً كبيرا من الوقت في لقاء حماس التي بدأت كمجموعة يمينية أصولية و كان السكوت من جانب اسرائيل لان السلطات الاسرائيلية أرادت تقسيم الفلسطينيين في ذلك الوقت ، ورأوا منظمة التحرير الفلسطينية الخطر الاساسي. لكن حماس تطورت ونالت قاعدة كبيرة دعم ، كما هو مبين في الانتخابات، لكنها واجهت بعد ذلك مشكلة "كيف تحكم فعلا.

معظم فكر حماس الأصولي أثبت فشله لأن التركيبة الفلسطينيية ، في جوهرها ، علمانية وكان على الولايات المتحدة وإسرائيل أن تلحظا في ذلك الوقت التغييرات في حركة حماس. لم تعد حماس على ما كانت عليه قبل 20 عاماً.

كل ما عليك القيام به هو إلقاء نظرة على تاريخ منظمة التحرير الفلسطينية. أذكر عندما كان ياسر عرفات "قائد الارهاب" حينها كان القادة الاسرائيليين يلقبونه ب"هتلر" جديد ثم بدأت منظمة التحرير تدعو إلى حل الدولتين في مطلع 1980  لكن الولايات المتحدة واسرائيل رفضتا التفاوض مع"ارهابيي" منظمة التحرير. ثم استلم رئيس الوزراء الراحل اسحق رابين السلطة ، وأبدى استعداده للتفاوض، وأدركوا فجأة ما كانت منظمة التحرير الفلسطينية تردده لمدة 10 سنوات. وبدأوا بمناقشة اتفاقيات أوسلو. الشيء نفسه سوف يحدث مع حماس في نهاية المطاف.

مشعل أوضح ذلك لي و للرئيس السابق جيمي كارتر ، ولجهات أخرى عديدة-- على عكس كل ما يروج في الولايات المتحدة. في ظل ظروف معينة حماس من شأنها قبول حلّ الدولتين والموافقة على هدنة طويلة الامد مع اسرائيل.


في الآونة الأخيرة، بعض أعضاء حركة حماس المتشددين قاموا بقتل المستوطنين في الخليل وكانت هذه أعمال إرهابية ، كيف ترد على هذا الحادث؟ كيف يمكننا رؤية هذا الأمر بدقة وبشكل مناسب؟

هنا أختلف مع حماس التي ترى هذه الأمور على أنها أعمال المقاومة. أنا لا أوافق على ذلك. وأعتقد أن هناك فرقا بين الذين يشنون حرب عصابات ضد جنود وقادة سياسيين ويقتلون الناس ببساطة لأنهم اسرائيليين. حماس تلحظ هذا التمييز أحيانا لكنها تهمله في أحيان أخرى.


لكن ماذا عن الحجة القائلة بأن المستوطنين يزودون بالأسلحة وهم أقرب إلى احتياطي في الجيش الاسرائيلي؟

لقد زرت الخليل. بعض هؤلاء الناس هم محتلين مسلحين ولا يختلفوا عن الجيش، لكن اماكن اخرى مثل ارييل أو غيرها من المستوطنات تحتوي على العلمانيين الذين يبحثون عن مساكن رخيصة والحكومة الإسرائيلية توفر رهون العقارية رخيصة لتوسيع الضواحي. لذا اعتقد أنه  ينبغي على  حماس أن تلحظ هذا التمييز.


مؤخراً تمّ فصل مراسلة ال"سي ان ان" اوكتافيا نصر بسبب تعبيرها عن التعاطف على وفاة آية الله السيد محمد فضل الله. لماذا وكيف تعمد وسائل الإعلام الاميركية الى تشويه صورة فضل الله و حزب الله، واستنادا إلى خبراتك الخاصة ما هي حقيقة فضل الله والحزب؟

في لبنان، كان فضل الله يعتبر معتدلاً حول العديد من القضايا. في الكتاب نقلت عن الزعيم اللبناني وليد جنبلاط ، الذي ذهب الى الحرب مع حزب الله في أوقات مختلفة، قوله أن فضل الله كان معتدلاً في كثير من سياساته. لم يكن يوماً المستشار الروحي لحزب الله ولطالما اعتبر نفسه بأنه رجل دين مسلم وكان يحاول توحيد المسلمين على الصعيدين السياسي والديني وفي القضايا المحلية كان يدعم حقوق المرأة والديموقراطية في لبنان وأصدر فتوى بمنع التدخين وأيّد العلم ضد الخرافة.


هل لك أن تذكر أمثلة أخرى عن الإرهاب لا يسمع عنها الأميركيون أو يحصلون على معلومات كاذبة حولها؟ وما هي المعلومات التي ينبغي على الأميركيين اسقاطها من ادراكهم في ما يتعلق بالإرهاب والمنظمات الإرهابية؟

هي حرب قذرة، وفي الصلب تندرج "فرق الموت" التي تروّج لها الولايات المتحدة في جميع أنحاء العالم وتسمى "العمليات الخاصة" وتعتمد تكتيكات إرهابية. تخيّل للحظة أن عدوّ لأميركا قرر مطاردة مواطنين أمريكيين - يزعم أنهم خطرون - على أراضي الولايات المتحدة من خلال عملاء سريين. أيمكنك أن تتخيل الغضب داخل الولايات المتحدة؟ لكن الولايات المتحدة تفعل ذلك وكان ذلك على نطاق واسع جدا في عهد جورج بوش الابن ، لكنه لا يزال في عهد باراك أوباما. إدارة أوباما تدافع عن هذه السياسة وانظر الى القرار الأخير الذي اتخذته المحكمة بعدم السماح لأي جلسة محاكمة للأشخاص الذين قامت الولايات المتحدة بتعذيبهم أو أرسلتهم الى بلدان ليخضعوا للتعذيب، أعتقد أن هذه قصة مهمة يجب أن تروى.

أمّا ما يجب على الناس اسقاطه من إدراكهم، أعتقد من الناحية العملية يجب التوقف عن تسمية الأفراد أو الجماعات  "إرهابيين" والإكتفاء بوصف ما يقومون به وما يؤمنون به بدقة، ثم إتاحة المجال للناس لتقرر ما إذا كانوا يروقون لهم أم لا. فقط توقفوا عن رمي لقب 'إرهابي'.