سوريا : ثورة بعيدة و قريبة جدا



 
الصور القادمة من دمشق حتّى الآن نادرة جدّاً... أجرت المصّورة السوريّة الشابّة كارول الفرح بين 4 تمّوز/ يوليو و8 آب/ أغسطس، مقابلات مع عدد من الدمشقيين من الطبقة المتوسطة، وطرحت عليهم السؤالين التاليين: "كيف تنظرون إلى ثورة الحاليّة؟" و "كيف ترون سوريا في المستقبل؟" إليكم الإجابات التي حصلت عليها المصوّرة، والتي لا تنتمي إلى رأيها الخاص بأي شكل من الأشكال.
 
 كارول الفرح
 
Carole_Alfarah_Syria_082011.jpg




رودي عثمان، 23 سنة، طالب في كلية الحقوق في جامعة دمشق؛ يحلم بتغيير العالم منذ كان عمره 17 سنة.

النقاش: " لم نكن منظّمين في البداية. خلال التجمّعات الأولى، كنا ننظر إلى بعضنا البعض من دون التفوّه بأي كلمة. وفي 15 آذار/ مارس، وجدنا أنفسنا أمام الجامع الأموي. لم  يجرؤ أحد على الكلام. شعرت باليأس وكنت على وشك المغادرة عندما سمعت فتاة تصرخ بأعلى صوتها: "الله، سوريا، حرية". فبدأت بالصراخ أنا أيضاً إلى أن أصبح الجميع ينادي بصوت واحد. كان الوضع مخيفاً ومثيراً في الوقت نفسه. مرّة أخرى، كنت أصوّر الأحداث بهاتفي النقال، فاقترب منّي رجلان من جهاز أمن الدولة. تمكّنت من الفرار ونشرت الفيديو على "الفيسبوك" وعرضته قنوات عربية عدة. في ذلك الوقت أدركت أنّه بإمكاننا نقل ثورتنا إلى العالم بأسره".
 
مستقبل البلاد: " يجب أن تصبح سوريا بعد الثورة، دولة ديمقراطية تقوم على أساس المشاركة، حيث لا يوجد أي تمييز بين العرب والأكراد والتركمان أو الآشوريين".
  




غالية سيفو، 32 سنة، موظفة في المجلس الثقافي البريطاني في دمشق. تريد كل من نظام بشار الأسد والحرية.

النقاش: "أتذكر عندما أطلق الناس يوم "يوم الغضب" على "الفيسبوك" في 5 شباط/ فبراير، ولم يحدث أي شيء. فلم أعد أعطي أي اهتمام للنداءات عبر الإنترنت. ولكن عندما بدأت الثورة بشكل جدّي، كنت مندهشة فعلاً. لقد أخبرني والدي وإخوتي عن اضطرابات الثمانينات، لا سيّما حين أصيب والدي برصاصة في ساقه من أحد أعضاء جماعة الإخوان المسلمين... أعتقد أن ما يحدث في سوريا غيرمنصف، لا سيّما بعد سنوات طويلة من الاستقرار والأمن".

مستقبل البلاد: "في النهاية أنا متفائلة، وأعتقد أنّ سوريا الجديدة ستكون أفضل وأقوى من سوريا اليوم. فدماء الشهداء لن تذهب سدى، وسنتمكّن من العيش داخل نظام متعدد الأحزاب، بحرية وديمقراطية في ظل قيادة الرئيس بشار الأسد. عند ذلك، سيلعب الشباب الدور الأكبر في المجتمع. ولكن من الطبيعي ألاّ تكون الأوضاع مثالية لأنّ جراح السوريين ستأخذ وقتاً ليس بقليل لتلتئم."





وفاء العسافين، 42 سنة، تعمل كخيّاطة، وهي أرملة وأم لأربعة أطفال. وفاء تثق بقدرة الله والرئيس.

النقاش: " صُدمت عندما علمت بالمظاهرات الجارية ضد الحكومة ولكن لم أشعر بالخوف لأنني أؤمن بأنّ العناية الإلهية تحمي سوريا. الشعب السوري يؤمن بالله ويخشاه. أشعر بالحزن الشديد لكل سوري قتل خلال الأحداث الأخيرة. ومن المحزن جدّاً أن نرى أنّ المال قد أغرى بعض الشباب، فراحوا يقتلون دفاعاً عن حريّة مزيّفة باسم الجهاد وفي سبيل الله ".

مستقبل البلاد: "انا متفائلة وأرى مستقبلاً مشرقاً لسوريا، خصوصاً لتلك الفئات التي كانت مهمّشة في السابق. أعتقد أنّ الإصلاحات الجديدة ستساعد عدداً أكبر من فئات المجتمع وسنتمتّع بعدالة اجتماعيّة متساوية؛ بالرغم من أنّ أحلامنا لن تتحقق بكاملها، فمن المؤكّد أنّ سوريا ستستغرق وقتاً طويلاً لاستعادة عافيتها. سوريا هي كل شيء بالنسبة لي ولأولادي، ولن أقبل ولا بأي ثمن أن أغيّر مكاني على هذه الأرض. ونحن جميعاً مع الرئيس. نحن نحبّه... وأنا أرى مستقبل سوريا معه وبين يديه".
  




مفتاح نور، 34 سنة، مدير فندق في دمشق. بالنسبة إليه، هذه الثورة ليست سوى مؤامرة خارجية.

النقاش: "لم أندهش أبداً. كنت أتوقع ما يحدث حالياً في سوريا وأعتقد أن الثورات العربية ليست ثورات شعبية حقيقية، إذ أنّها موجّهة من أجل إضعاف الأنظمة العربية، ومن المؤكد أن سوريا مستهدفة بسبب موقعها الاستراتيجي في الشرق الأوسط؛ فهي البلد العربي المستقل الوحيد، الذي يدعم بقوة الشعب الفلسطيني ولا يقدّم تنازلات لإسرائيل وأميركا".

مستقبل البلاد: "في المستقبل القريب، أرى سوريا كبلد مستقر ومزدهر وأتوقّع مستوى عال من النمو الاقتصادي في البلاد. تعتبر سوريا واحدة من الوجهات السياحية العشرة الأولى في العالم، ولسوء الحظ توقّفت السياحة الآن بسبب الوضع الراهن؛ ولكنّني أعتقد أن العام المقبل سيكون عاماً مزدهراً على المستوى السياحي في سوريا. وفي الختام، أنا أفسّر الأحداث الجارية بتفاؤل، وأثق بأنّ سوريا ستخرج من هذه الأزمة أكثر قوة وصلابة."





هبة الله الأنصاري، 26 سنة، طالبة فنون في جامعة دمشق. إنّها تشعر بالرعب من القوات الأمنيّة.

النقاش: "عندما بدأت الثورة المصرية، أردت المشاركة فيها مع أصدقائي، ولكنّنا لم نكن نعرف ما يجب القيام به تحديداً. كان هذا قبل الأحداث الأخيرة في سوريا. قررنا التظاهر خارج مقر لتشغيل الهاتف المحمول في دمشق للمطالبة بتخفيض الأسعار. تمكّنت القوّات الأمنيّة من السيطرة علينا، ولم أكن أحمل معي بطاقة هويتي؛ تمّ اعتقالي، كنت مصدومة... زجّوني في السجن مع عدد من النساء المتّهمات بالبغاء... أنا اليوم سعيدة جدّاً لأنّ رياح التغيير بدأت تهب أخيراً في سوريا، ولكن من المؤسف أنّ قوات الأمن، تحت غطاء حالة الطوارئ في الدولة، يعتقلون أيّ كان وهم منتشرون في كلّ مكان: في المقاهي، والشوارع، وحتى في سيارات الأجرة. أنا أشعر بالاختناق في بلدي".

مستقبل البلاد: "أحلم بأن تصبح سوريا الجديدة بلداً ديمقراطيّاً يضمن حرية الرأي والاحترام المتبادل".
  




رالدا خوام، 31 سنّة، أخصّائيّة تجميل في دمشق. تشعر بغضب شديد ضد وسائل الإعلام الغربية.

النقاش: " كانت صدمة كبيرة... كنت أشاهد الأخبار في غرفتي عندما رأيت المظاهرات في الجامع الأموي؛ لم أصدق عيني، وكنت مقتنعة تماماً بأن كل هذه الأحداث ستنتهي بسرعة. ولكن عندما توسّعت المظاهرات وشاهدت الأخبار الكاذبة التي تنشرها وسائل الإعلام الأجنبية، أدركت أن ما يحصل ليس سوى مؤامرة واسعة ضد سوريا. إنّ فكرة نشوب حرب أهلية في سوريا ترعبني، وآمل ألاّ يحدث هذا أبداً".

مستقبل البلاد: "أنا أثق بالرئيس الأسد، وأنا متأكّدة تماماً بأنّه سيجد حلاً لإخراجنا من هذه الأزمة. منذ بداية الأحداث، أدركت كم أحب بلدي. كنت أكره في السابق كل التقاليد والتعقيدات في مجتمعنا، ولكنّني أرى الآن أنّها لا تساوي شيئاً على الإطلاق مقارنة بالعيش بأمان في سوريا".





رشا عقيل، عاطلة عن العمل، 33 سنة. تحوّلت من مؤيّدة للثورة إلى مناهضة لها.
 
النقاش: "في البداية ، كنت سعيدة لأنّني ضقت ذرعاً من الفساد والمحسوبية وانعدام المساواة في البلاد. وسررت جدّاً حين أطلق الرئيس الأسد إصلاحاته، وأعلن نيّته بقبول حرية الرأي. ولكن عندما وصلت الأزمة إلى أوجها وأثرت بي شخصياً، تحوّلت مشاعري. ، كنت أعمل على مشروع يموّله الاتحاد الأوروبي، وبسبب العقوبات ضد سوريا، فقدت وظيفتي وأصبحت عاطلة عن العمل. الحقيقة هي أنّ هذه العقوبات لم تؤثر على الحكومة بل على الشعب. كنا 300 شخص، مرخص لنا جميعاً... وبقي موظّفو الدولة في وظائفهم... "

مستقبل البلاد: "الاحتجاجات ليست سلمية؛ ربما هناك بعض الاستثناءات، ولكن معظم المتظاهرين يحملون الأسلحة، ويقتلون ضباط الشرطة والمتظاهرين. إذا استمرّ تدفق الدماء، سيتحوّل الأمر إلى كارثة حقيقيّة. لم نعتد في سوريا على التعددية السياسية، إذ أنّ كل شخص يعارض النظام لأسبابه الشخصية، ما يعني أنّه من المستحيل لأي أحد من هؤلاء أن يمثّلني أو أن يمثّل الشعب السوري. إضافة إلى ذلك، لا أستطيع تخيل أنّ الذين عاشوا طوال حياتهم في الخارج يرفعون سوريا إلى أعلى مستويات الديمقراطية في ضوء كل الكراهية التي يحملونها في داخلهم. "





وائل السمهوري، 53 سنة، مهندس معماري وأستاذ في جامعة دمشق. يخشى فقدان ثقة المستثمرين في البلاد.
 
النقاش: "ردّة فعلي الأولى؟ صدمة! لم أكن أتوقع أن يحدث ذلك في سوريا! سوريا بلد الأمن والأمان! لم نعتد على رؤية الناس يتقاتلون مع بعضهم البعض ومن غير المعقول أن نرى السوريون يقتلون بعضهم البعض. لم تحصل هذه الأزمة في التوقيت المناسب، إذ أنّ البلاد كانت تحرز تتقدماً ملحوظاً، وتشهد نمواً كبيراً. وقد استفدت شخصياً من ذلك النمو. عندي وظيفة ثابتة تمكنّني من الاستمرار في الحياة. ما يحصل مؤسف جدّاً! ستتوقّف مشاريع كبيرة في البنية التحتية وستنخفض نسبة الاستثمارات. لم يكن من السهل بالنسبة إلى سوريا كسب ثقة المستثمرين، والآن ها قد تلاشت تلك الثقة في لحظة.

مستقبل البلاد: "أنا أعمل حالياً أكثر من أي وقت مضى. فمنذ بداية الأزمة أصبحت أضاعف جهودي مع طلابي لضمان أنه عند انتهاء كل شيء ستصبح سوريا دولة جديدة مستقرة وفعالة".
  




عامر مطر، 25 سنة، صحافي في قناة العربية وصحيفة الحياة. دخول سجن النظام بدّل حياته إلى الأبد.
 
النقاش: "أنا فخور بمشاركتي في الثورة كمواطن سوري حرّ، وصحافي نزيه. أنا أنقل حقيقة الثورة السورية. تمّ اعتقالي وسجنت ستة عشر يوماً وتعرّضت للضرب والتعذيب لأنّني نشرت الحقائق وليس الخطاب الرسمي. وحدها الكلمات المؤلمة تعبّر عن تجربتي داخل سجون النظام؛ ظلام، وخوف، وإذلال... لن أنسى أبداً تلك اللحظات الموجعة. ذهبت يوم الجمعة في الأوّل من تمّوز/ يوليو، الى المظاهرة وتركت رسالة الى والدي، قلت فيها: "ادهنوا الباب بدمي ولا تنظّفوه قبل بزوغ الفجر. حياتي فدية حريّتكم "."

مستقبل البلاد: "أرى سوريا محررة من نظام الأسد. سوريا محرّرة من السجون والمجازر. ستغتسل سوريا أخيراً من رواسب الطغيان النتنة."
  




محمد سعيد يغمور، 47 سنة، يعمل حارساً في بيت نظام. ليس بصدد البحث عن الديمقراطية.
 
النقاش: "لم أتخيّل أبداً أن يحدث مثل هذا الأمر في سوريا. نحن شعب مسالم. مشاهد القتل والوحشية التي نراها غير معقولة. على الرغم من أنّ راتبي لا يتجاوز الـ 000 10 ليرة سورية (145 يورو)، ولا يبقى معي أي شيء حتّى نهاية الشهر، وعلى الرغم من أنّه يجب عليّ أن أعمل في وظائف عديدة لدفع نفقات إقامتي وأولادي، فلن أدمّر بلدي أبداً!"

مستقبل البلاد: "إنّ الرئيس بشار الأسد يمثل مستقبل سوريا، فهو شاب معتدل ومثقّف؛ يحب شعبه وتمكّن من تحسين بلاده. آمل أن تنتهي هذه الأزمة قريباً... نحن لسنا بحاجة إلى الديمقراطية في العراق، ولا إلى الحرية في مصر وتونس وليبيا. لقد رأينا ما حدث لهم. لسنا بحاجة لأي تدخّل أجنبي ونحن قادرون على حل مشاكلنا بأنفسنا ."
  




تسنيم القاسم، 66 سنة، أم وجّدة، وتعمل في التصوير الطبيعي. كما أنّها تدرّس اليوغا. بالنسبة إليها، لقد ساهمت هذه الثورة في إيقاظ السوريين.
 
النقاش: "لقد صدمت في بداية الأحداث، تماماً كالعديد من الناس. كنّا نعتقد أننا نعيش بسلام وأمان إلى أن جاء هذا الحدث ليعكّر صفونا. حالما تخطّيت الصدمة، أدركت أنّ هذه الأزمة هي أفضل ما يمكن أن يحدث لسوريا. إذ أنّها أثارت ومشاعرنا، وأيقظت أفكارنا، ومصالحنا ورؤيتنا. لقد أيقظت هذه الأزمة ضميرنا وحثّتنا على المضي قدماً، واتّخاذ المبادرات والتحرّك نحو ما هو الأفضل لسوريا."

مستقبل البلاد: "نحن بحاجة إلى الوقت، لا سيّما ليفهم الشباب الأبعاد الخفية وراء هذه الأحداث. فعلى كل واحد منّا أن يكون حذراً في أفكاره وأفعاله حتّى لا يقع في الفخ ويسلك الطريق الخطأ. يجب على كلّ واحد منّا أن يسلك طريق المغفرة وأن يحرّر نفسه من أغلال الماضي ومشاعر التوتر والغضب. يمكن للوعي أن يتطوّر بشكل إيجابي من خلال الانضمام إلى نظام التوازن والانسجام العالمي. قد يتطلب هذا الأمر المزيد من المبادرات والجهود المكثّفة، ويمكن أن يتحقق من خلال المثابرة والصبر وقوّة العزيمة ".